الشيخ الطبرسي
24
تفسير مجمع البيان
جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنعم . فدخل فلم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات . فلما نزلت هذه الآيات ، وبان كذب عبد الله ، قيل له : نزل فيك آي شداد ، فاذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر لك . فلوى رأسه ، ثم قال : أمرتموني أن أؤمن فقد آمنت ، وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فقد أعطيت ، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد ، فنزل : ( وإذا قيل لهم تعالوا ) إلى قوله ( ولكن المنافقين لا يعلمون ) " . المعنى : ثم ذكر سبحانه أن استغفاره لا ينفعهم فقال : ( سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ) أي يتساوى الاستغفار لهم ، وعدم الاستغفار ( لن يغفر الله لهم ) لأنهم يبطنون الكفر ، وإن أظهروا الإيمان ( إن الله لا يهدي القوم الفاسقين ) أي لا يهدي القوم الخارجين عن الدين والإيمان إلى طريق الجنة . قال الحسن : أخبره سبحانه أنهم يموتون على الكفر ، فلم يستغفر لهم ، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستغفر لهم على ظاهر الحال بشرط حصول التوبة ، وأن يكون الباطن مثل الظاهر ، فبين الله تعالى أن ذلك لا ينفعهم مع ابطانهم الكفر والنفاق . ثم قال سبحانه : ( هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله ) " من المؤمنين المحتاجين ( حتى ينفضوا ) " أي يتفرقوا عنه . وإنما قالوا هم من عند محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، ولكن الله سبحانه سماه رسول الله تشريفا له ، وتعظيما لقدره ( ولله خزائن السماوات والأض ) وما بينهما من الأرزاق ، والأموال ، والأغلاق ، فلو شاء لأغناهم ، ولكنه تعالى يفعل ما هو الأصلح لهم ، ويمتحنهم بالفقر ، ويتعبدهم بالصبر ليصبروا فيؤجروا ، وينالوا الثواب ، وكريم المآب . ( ولكن المنافقين لا يفقهون ) " ذلك على الحقيقة ، لجهلهم بوجوه الحكمة . وقيل : لا يفقهون أن أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ) " من غزوة بني المصطلق ( ليخرجن الأعز ) " يعنون نفوسهم ( منها الأذل ) يعنون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين . فرد الله سبحانه عليهم بأن قال : ( ولله العزة ولرسوله ) " بإعلاء الله كلمته ، وإظهاره دينه على الأديان ( وللمؤمنين ) " بنصرته إياهم في الدنيا ، وإدخالهم الجنة في العقبى . وقيل : ولله العزة بالربوبية ، ولرسوله بالنبوة ، وللمؤمنين بالعبودية . أخبر سبحانه بذلك ، ثم حققه بأن أعز رسوله والمؤمنين ، وفتح عليهم مشارق الأرض ومغاربها . وقيل : عز الله خمسة : عز الملك والبقاء ، وعز العظمة والكبرياء ، وعز البذل والعطاء ، وعز الرفعة والعلاء ، وعز